كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل. غادرت المترو الباريسي عائداً إلى بيتي. كان الطريق مظلماً إلى حد ما. في زاوية مظلمة كانت امرأة أنيقة جداً وجميلة تلتقط مخلفات كلبها بأناقة وتضعها في سلة المهملات القريبة. أوقفتها. لم تكن خائفة أبداً. شكرتها على فعلتها نيابة عن قاطني الحي. شكرت لي هذه الالتفاتة.
قلت لها: في هذه الظلمة، في هذا الوقت، في هذا المكان، بهذه الأناقة وهذا الجمال، كان في إمكانك أن تتركي كل شيء وأن تعودي إلى بيتك دون أن يعرف أحد ما حدث.
قالت: وكيف أنام؟ قد لا أدل الطريق إلى بيتي أيضاً.
ما حدث يا سيدي ليس مسألة نظافة. إنها مسؤولية.
وأنت كان في إمكانك أن تعود إلى بيتك دون أن يغريك المشهد.
الآن سأعود وحيدة لأكتب ما حدث.
وعدت بدوري وحيداً لكي أحكي ما حدث.
رويت هذه الحكاية لصديقي الدكتور معجب الزهراني. الأستاذ الزائر في جامعة السوربون حالياً. فروى لي بدوره حكاية مماثلة حدثت في منتصف النهار.
كان هو وزوجته في سويسرا. وكانا ينتظران حافلة النقل الجماعي مع ركاب آخرين.
كان بينهم سيدة تبحث عن مكان لتلقي عقب سيجارتها. وصلت الحافلة في نفس اللحظة. أخرج سيد ياباني مطفأة سجائر من حقيبته، وضعها في خدمة السيدة.
بين هذا الياباني في أقصى الشرق وفي منتصف النهار، وبين تلك الجميلة الفرنسية وفي منتصف الليل ما يشير إلى أن الحضارة لا تنام. وأن الوعي يبقى يقظاً ليظل العالم نظيفاً على الأقل. تذكرت هاتين الحالتين، وأنا على استعداد للعودة لرؤية الأهل والأصدقاء قريباً. وتذكرت حالة متنزه السودة في أبها وكم هو نظيف إلى درجة أن يتلافى الإنسان الجلوس في ظل شجرة. وتذكرت بعض الشواطئ على البحر الأحمر التي غمرتها القمائم وحالت بين الناس والبحر. لكن في حب الأهل والأصدقاء ما يعمي النظر ويرفع العين إلى السماء حيث النظافة المطلقة. النظافة الحلم.